محمد بن جرير الطبري
21
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سبيلا ، أن يكفرها بصيام ثلاثة أيام ، ولم يشرط في ذلك متتابعة ، فكيفما صامهن المكفر مفرقة ومتتابعة أجزأه ؛ لأن الله تعالى إنما أوجب عليه صيام ثلاثة أيام ، فكيفما أتى بصومهن أجزأ . فأما ما روي عن أبي وابن مسعود من قراءتهما وفصيام ثلاثة أيام متتابعات فذلك خلاف ما في مصاحفنا ، وغير جائز لنا أن نشهد بشيء ليس في مصاحفنا من الكلام أنه من كتان الله . غير أني أختار للصائم في كفارة اليمين أن يتابع بين الأيام الثلاثة ولا يفرق ، لأنه لا خلاف بين الجميع أنه إذا فعل ذلك فقد أجزا ذلك عنه من كفارته . وهم في غير ذلك مختلفون ، ففعل ما لا يختلف في جوازه أحب إلي وإن كان الآخر جائزا . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ يعني تعالى ذكره بقوله : ذلِكَ هذا الذي ذكرت لكم أنه كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ من إطعام العشرة المساكين أو كسوتهم أو تحرير الرقبة ، وصيام الثلاثة الأيام إذا لم تجدوا من ذلك شيئا هو كفارة أيمانكم التي عقدتموها إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أيها الذين آمنوا أَيْمانِكُمْ أن تحنثوا فيها ثم تضيعوا الكفارة فيها بما وصفته لكم . كما بين لكم كفارة أيمانكم ، كذلك يبين الله لكم جميع آياته ، يعني : أعلام دينه ، فيوضحها لكم ، لئلا يقول المضيع المفرط فيما ألزمه الله : لم أعلم حكم الله في ذلك . لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول : لتشكروا الله على هدايته إياكم وتوفيقه لكم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وهذا بيان من الله تعالى ذكره للذين حرموا على أنفسهم النساء والنوم واللحم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تشبها منهم بالقسيسين والرهبان ، فأنزل الله فيهم على نبيه صلى الله عليه وسلم كتابه ينهاهم عن ذلك ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فنهاهم بذلك عن تحريم ما أحل الله لهم من الطيبات . ثم قال : ولا تعتدوا أيضا في حدودي ، فتحلوا ما حرمت عليكم ، فإن ذلك لكم غير جائز كما غير جائز لكم تحريم ما حللت ، وإني لا أحب المعتدين . ثم أخبرهم عن الذي حرم عليهم مما إذا استحلوه ، وتقدموا عليه كانوا من المعتدين في حدوده ، فقال لهم : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، إن الخمر التي تشربونها والميسر الذي تتياسرونه والأنصاب التي تذبحون عندها والأزلام التي تستقسمون بها رِجْسٌ يقول : إثم ونتن ، سخطه الله وكرهه لكم مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يقول : شربكم الخمر ، وقمار كم على الجزر ، وذبحكم للأنصاب ، واستقسامكم بالأزلام من تزيين الشيطان لكم ، ودعائه إياكم إليه ، وتحسينه لكم ، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربكم ، ولا مما يرضاه لكم ، بل هو مما يسخطه لكم . فَاجْتَنِبُوا يقول : فاتركوه وارفضوه ، ولا تعملوه . لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول : لكي تنجحوا فتدركوا الفلاح عند ربكم ، بترككم ذلك . وقد بينا معنى الخمر والميسر والأزلام فيما مضى فكرهنا إعادته . وأما الأنصاب ، فإنها جمع نصب ، وقد بينا معنى النصب بشواهده فيما مضى . وروي عن ابن عباس في معنى الرجس في هذا الموضع ، ما : حدثني به المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يقول : سخط . وقال ابن زيد في ذلك ، ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ قال : الرجس : الشر . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يقول تعالى ذكره : إنما يريد لكم الشيطان شرب الخمر والمياسرة بالقداح ويحسن ذلك لكم إرادة منه أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح ، ليعادي بعضكم بعضا ، ويبغض بعضكم إلى بعض ، فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان